الجمعة، 15 أبريل 2016

أثر الدرس المحظري في شعر الشناقطة : المثال اللغوي والفقهي

أثر الدرس المحظري[1] في شعر الشناقطة[2] : المثال اللغوي والفقهي

الدكتور أحمد سالم ولد اباه
بمعنى من المعاني يمكن لقراء الشعر أن يمتطوا صهوته لأجل استكشاف ما ينطوي عليه من إشارات وإلماحات وتأريخ يصاحب عملية الشعر عند المحو والإثبات وبعد ذلك خلال عملية التهويم والتحليق والبوح، دون أن يكون هذا النوع من الدرس يستهدف الشعر لذاته، حيث أصبح من شبه المتفق عليه أن الشعر ليس وثيقة تاريخية ولا اجتماعية بل هو ظاهرة فنية – بالدرجة الأولى - ترتبط بوشائج القربى وتلتحم بلحمة القربى في دائرة من التأثير والتأثر بالمحيط الثقافي، دون أن يعني ذالك السقوط في براثن التوثيق، وهو حدها الأدنى، أو التهويم داخل البرج العاجي دون أي اهتمام بمحيطها وهو الحد الأعلى.
ومنذ بعض الوقت أحاول قدر الإمكان استجلاء تلك العلاقة الشائكة بين المعارف التي تحصل عليها الشعراء وبين ما يصدر عنهم من شعر يحمل رؤية للعالم، وقد وجدت أن أغلب الشعراء تأثر بشكل واضح بمحصوله من المعارف المحظرية وحولوه إلى مضمون شعري مكتنز يحتاج من القارئ إلى جهد مزدوج يقتضي معرفة بالتاريخ الثقافي لهذه البلاد، ولمجمل المقولات التي كانت توجه الحياة الثقافية فيها، سواء في ميدان الفتاوى والنوازل الفقهية، أو التي كانت تحكم الخطاب بلاغية ولسانية ونحوية وصرفية .
لن تكون هذه الأسطر استقصائية – وما ينبغي لها أن تكون كذلك – بل سيكون معتمدها التمثيل للفت النظر إلى قضية التعالق تلك بين حملة من المعارف في محيط معين وبين مضمون شعري مواز له .
ستكون محطتنا الأولى مع المقولات اللغوية وتأثيرها على الشعر والشعراء يقول محمدو ولد فتى :
أبيت يقظان عشق أنت نائمةً     يا ليت كل حبيب كان عاشقهُ
تركت قبلُ النسا والآن عدت ولمْ    أعدْ لغيرك ممن كنت وامقهُ
إذ لم يطابق ضميري ما سواكِ ولا    يعود إلا على ما كان طابقهُ
ولستُ أعشق إلا أنت قاتلتي     وليس ذا غير حب الكلب خانقهُ
يا نزهتي هل أنا، والفعل أنت، وهل    إن تلقَ فعلا قريبا لن تفارقهُ
إن ينأ عنها تسلت عنه ذاهلة    أو يدنُ لم ترضَ منه إلا أن تعانقهُ
وكما نرى فإن هذه الأبيات التي تتخذ الغزل مطية للتعبير الشعري الراقي، وبواسطة معجم يكاد يكون متصالحا مع موضوعه، إلا ما كان من تأثير المحيط الثقافي على رؤية الشاعر حيث وجد من السهل عليه التعبيرَ عن علاقته بمحبوبته من خلال تورية حالة "عودة الضمير على ما يطابقه" وهي مسألة نحوية دخلت في لغته مدركاته وأصبحت لا تنفك عنه من كثرة التركيز عليها في المحظرة.
وفي لمحة ثانية يستخدم الشاعر الثقافة الشعبية ليستلهم منها محمول مثل شعبي يقول قبل تعريبه "الْكَلْبْ ما يْرومْ ماهُ خنًاكُ" فيعربهُ ليعبر به حالته العاطفية مع محبوبته التي تعذبه بعدم الوصل لكنه يبقى وفيا لها، كوفاء الكلب الذي يعرف بالوفاء في الثقافتين العربية والشعبية، وقد عرب الشاعر المثل تعريبا موفقا " حب الكلب خانقه" .
ورغم محدودية الفضاء الشعري في أبيات معدودات فلن تنتهي قبل أن نتعرف على قاعدة نحوية أخرى وهي أن "هل" في عرف النحاة عندما تدخل على جملة بها فعل يجب أن تليه، نحو قولنا هل قدم زيد؟ فإن هل لابد أن تعانق الفعل في الجملة، وكذلك هو إن قريبا منها فلا يرضى بغير ذلك .
وتشترك هذه الأبيات مع أخرى لأبي بكر الفاضلي (بَكًنْ) في أنها غزلية وتتناول في ثناياها موضوعات سيطرت على وعي الشاعر حتى آنس من نفسه أُلفةً معها وأصبح يعبر بها عن مكنون نفسه في الشعر يقول من بحر الطويل:
فلما طلبتُ الوصل من أم أيمنٍ   على شغف مني بأجفانها المرضَى
تولتْ وصدتْ جُهْدَها وتَبَرًمَتْ   ولم ترضَ لي في الوصل نفْلا ولا فرضَا
يُسَرُ بأن قدْ فازَ دوني بوصْلها         وأَنْ نَفَضَتْ مني مَطَارِفها نَفْضا
ولكن فلا تغترَ جهلا بما ترى       وللْعَهْدِ من أسماءَ لا تأْمنِ النقْضَا
فللدًهْرِ داْباً في بنيهِ عواملٌ        فمن عامل رفْعاً ومن عاملٍ خَفْضَا
وكما نرى فرغم كون النص غزليا بامتياز من حيث معجمه ومحموله، ومن حيث أخيلته وصوره، فلم يخلُ من إلماحات فقهية ونحوية على عادة شعراء هذه البلاد في التعبير بالعلوم توريةً وكنايةً وتصريحاً عن مكنون يَعْتَمِلُ في صدورهم، ولم يجدوا طريقة أقرب إلى أنفسهم من استعارة تلك المعارف من أبوابها في العلم لتدخل في باب الفن.
انظر إلى "بكن" وهو يستعير مصطلحي "النفل" و"الفرض" للتعبير عن الرفض والصدِ والتًأَبي، ولا شك أن المعجم وألفاظه لا تعوز الشاعر، إنما طلبا للتجديد وقرب المأخذ، وتأثرا بالمحيط، وطمعا بالتأثير فيه.
فضلا عن مجال الفقه ومصطلحات النُسْكِ والعبادة، يستعير الشاعر ويستعين بنظرية العامل – رغم اختلاف القوم وجاهتها – للتنبيه على حتمية تغير أحوال الدهر، فرب مرفوع "بعامل الرفع" اليوم مجرور أو "مخفوض" غدا "بعامل الخفضِ" وهي موعظة بالغةٌ وتعبير عن حالة إنسانية معيشة يوميا، استعار لها الشاعر جلبابا نحويا، وكان موفقا فيه إلى أبعد الحدود.
ولأن الصحراء قد تفرض ساكنها على الابتعاد عمن يحب، مرة بدافع الانتجاع ومرة لتتبع مساقط الغيث لتحصيل الماء، ولأن الإنسان اجتماعي بطبعه، ويطمح دوما للاتصال والتواصل، فقد كان العرب "يتنادون" بأدوات تتفاوت في الدلالة على مراتب المنادَى، ووضعه بالنسبة للمنادِي قُربا وبعدا، لذلك فقد عقد النحاة بابا خاصا بالنداء، وكان عملهم فيه استنباطا من قائم موجود، لا اختراعا لمعدوم، وقد استغل الشعراء الشناقطة الطاقة الإيحائية والدلالية لذلك التراث العربي شعرا وتقعيدا نحويا، يقول محمد بن سيد احمد العلوي من بحر الطويل في وصف انجذاب الحسناوات على اختلافهن إليه، مستفيدا من طاقة أداة النداء "يا" ومستعيرا أقسام الكلام للتعبير عن حالته، ورؤيتهن لوضعه الاجتماعي في محيطه يقول:
يُصِخْنَ إذا نادَيْتُ، يَدْنُونَ إن ألُحْ      تَرَاهُنً عُميًا عن جميع الورى صُمًا
تجاوِبُ إن نــــــــــــــــــــــــاديْتُ عزً بُثينةٌ       وأسماء عن ليلى وزَينبُ عنْ أسمَا
وخَوْلَةُ عنْ لُبْنى ولبنى تجيب عن   سُعادَ وعنْ سُعدى وحفصةُ عن سَلْمَى
وهِنْدٌ تمنتْ ما خلا "يا" الندا اسمها     وهندُ تمنت أن يكون لها "يا" اسمَا
وقولي من الأقوال فيهن مُرْتضًى    وفعلي من الأفعال واسمي من الأسمَا
تَسَنًمْنَ بِالآباء ذِرْوَةَ شــــــــــــــــــــــــامخٍ     من المجد والآماء بالمنزل الأسمَا
فلا رفعَ بلْ لا خفضَ إلا لديهمُ    ولا نصب في أيدي سواهم ولا جزمَا
وكما ترى فإن الاهتمام بالعامل وأثره في معمولاته، شغل بال الشعراء في هذه البلاد، وسيطر على بُؤرِ شعورهم، فوظَفوهُ للتعبير عن التراتب الاجتماعي وفي الفخر برتبة على أخرى معتمدين على سنن الدلالة التي تحمل مصطلح النحاة "خفض" "رفع" "نصب" كما في بيت "بدً الصغير" من الأبيات السابقة .
ولتقارب فنون القول ومجالات المعرفة، ولتمكن الشنقيطي من ناصيتها تراه يتغزل أو يمدح دون أن يعوقه ذلك عن استنباط الأحكام الشرعية واستدراكها وتسليمها وتشهيرها، مع استخدامها في التعبير عن غرضه الأصلي، استمع إلى محمدٍ بن عبد الرحمن الحسني وهو يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعاني المتداولة في هذا الشأن من عجز اللغة عن التصدي لمدح خير البشرية قاطبة، وفي أثناء ذلك يعترضه حكم فقهي لمن يجد ماء لا يكفي لوضوئه كاملا، كما هي الحال التي لا تكفي لمدح المصطفى عليه الصلاة والسلام، فيصدر حكمه بالتيمم لواجد أقل من احتياجه للوضوء يقول :
مَعاجزُه ما اسْطعتُ ذكر جميعها    فأبهمتُ ما أسْطيعُ منها تعظُمَا
كواجد ماء قاصر عن وضوئه        تجنب طهرا قاصرا فتيممَا
وقد اتضح مما سبق أن معظم تلك الأفكار إنما تهدف إلى خدمة الموضوع وتنميته، إذ تساعد الشعراء على تماسك رؤيتهم وتعزز قدرتهم من خلالها على الإقناع، كما أن لها هدفا "فوق شعري" إن صح التعبير، وهو أنها تقدم صاحبها مادحا أو متغزلا في صورة من الكمال المعرفي الموسوعي، مما يخدم يخدم "الغرض" من الإنشاء، ويعزز حظوظ الإفشاء .[3]




[1] المحظرة نظام تعليمي خاص بالشناقطة وهم سكان شنقيط قديما المعروفة حاليا بموريتانيا، يقوم النظام على ما يشبه الكراسي العلمية في الحرم المدني والزيتونة، مع تعمق في اللغة والفقه المالكي، وقد آتت الطريقة أكلها فتخرج منها فطاحلة العلماء ممن كانوا أساتذة في المشرق العربي باسم الشناقطة .
[2] الشناقطة سكان شنقيط قديما المعروفة حاليا بموريتانيا
[3] هذه خلاصة من بحث أعكف عليه وسيصدر بعون الله وقدرته قريبا بالعنوان نفسه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق